
دكتوراة يوسف الديب
“المسؤولية الجنائية للتنمر: أطروحة قانونية من جامعة القاهرة“
في قلب قاعة المناقشات العريقة بجامعة القاهرة، حيث تتلاقى عقول القانونيين في حوارات تنبض بالفكر العميق، وقف الباحث يوسف الديب سعد الدين حمدي ليعرض أطروحته التي حملت عنوانًا مثيرًا للاهتمام: “المسؤولية الجنائية الناشئة عن التنمر: دراسة مقارنة”. لم يكن موضوع الأطروحة مجرد سرد نظري لقضية اجتماعية، بل كان استكشافًا دقيقًا للحدود الفاصلة بين القانون والواقع، بين التشريع والعدالة.
أمام لجنة علمية متميزة، وبإشراف نخبة من عمالقة القانون، بدأ الباحث في شرح أبعاد الظاهرة التي أصبحت تهدد السلام النفسي والاجتماعي، خاصة مع انتشارها الواسع عبر الوسائل الرقمية. طرح الباحث أسئلة جوهرية: هل تواكب التشريعات الجنائية الحالية تطورات هذه الظاهرة؟ وهل يكفي القانون لمواجهة تداعيات التنمر المستترة خلف الشاشات؟
لجنة المناقشة: عمالقة القانون في منصة الحكم
تألّفت اللجنة المناقشة من رموز علمية وقضائية بارزة، يمثلون قمة الفكر القانوني، وهم:
الأستاذ الدكتور أحمد عوض بلال، أستاذ القانون الجنائي وعميد كلية الحقوق الأسبق بجامعة القاهرة، الذي ترأس اللجنة بخبرة تنبض بالحكمة القانونية.
الأستاذ الدكتور عمر محمد سالم، أستاذ القانون الجنائي وعميد كلية الحقوق الأسبق بجامعة القاهرة، ووزير الدولة لشؤون المجالس النيابية والشؤون القانونية الأسبق، الذي شارك كمشرف وعضو، وهو صاحب الرؤية القانونية الدقيقة التي أثرت النقاش.
المستشار الدكتور محمد أحمد السيد الجيزاوي، رئيس محكمة استئناف القاهرة، الذي أضاف بعدًا قضائيًا عمليًا للنقاش، مما منح المناقشة زخمًا خاصًا.
الطرح القانوني والمناقشة الثرية
استعرض الباحث في أطروحته مفهوم التنمر بأشكاله المختلفة، وتعمّق في تحليل النصوص القانونية المصرية والفرنسية، ليقدم مقارنة دقيقة توضح الفجوة التشريعية أحيانًا والتميز أحيانًا أخرى. قدمت الأطروحة رؤية جديدة لإعادة النظر في العقوبات وتطوير التشريعات بما يتناسب مع حجم هذه الظاهرة، خاصة في ظل تطور وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت المناقشة العلمية غنية بالأفكار والأسئلة التي طرحتها اللجنة، حيث أشاد الأعضاء بقدرة الباحث على الجمع بين التحليل القانوني العميق والرؤية الواقعية للتحديات الاجتماعية. لم تكن المناقشة مجرد تقييم علمي، بل كانت بمثابة حوار فكري يستعرض حلولًا عملية لمشكلة معاصرة.
الختام: امتياز مستحق
في نهاية المناقشة، أعلنت اللجنة منح الباحث يوسف الديب سعد الدين حمدي درجة الدكتوراه بامتياز، في شهادة تعكس جودة الأطروحة وجهود الباحث في تقديم دراسة قانونية مقارنة ذات قيمة علمية ومجتمعية عالية.
بهذا الإنجاز، يكون الباحث قد أضاف لبنة مهمة في بناء الفكر القانوني الحديث، وأضاء جوانب جديدة من مسؤولية القانون الجنائي في مواجهة قضايا اجتماعية معقدة مثل التنمر، ليقدم نموذجًا يُحتذى به في مجال الدراسات القانونية والاجتماعية.

جريمة التنمر: أسبابها وأثرها المجتمعي
التنمر من الجرائم الاجتماعية الخطيرة التي تهدد تماسك المجتمعات وتؤثر بشكل مباشر على الأفراد، سواء نفسيًا أو جسديًا. يُعرّف التنمر بأنه ممارسة السلوك العدواني أو الإساءة تجاه شخص معين بطرق متكررة ومتعمدة، بهدف التقليل من شأنه أو السيطرة عليه. يتخذ التنمر أشكالاً عديدة؛ منها اللفظي، والجسدي، والإلكتروني، مما يجعله مشكلة معقدة يصعب حصرها.
يرتبط التنمر غالبًا بوجود اختلال في ميزان القوى بين الجاني والضحية؛ حيث يستغل الشخص المتنمر قوته أو مكانته في المجتمع لمهاجمة الأضعف. يبدأ التنمر في بيئات مختلفة مثل المدارس، أماكن العمل، وحتى عبر الإنترنت، مما يساهم في توسيع نطاق تأثيره السلبي.
من أبرز أسباب التنمر نقص الوعي بالقيم الأخلاقية، والتنشئة الاجتماعية غير السوية التي تعزز العنف بدلاً من التسامح. كما قد تلعب وسائل الإعلام دورًا في ترويج ثقافة العنف والتنمر من خلال المحتوى غير الملائم الذي يُطبع في أذهان الشباب.
أما تأثيرات التنمر فهي متعددة؛ تشمل انخفاض تقدير الذات، واضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، وأحيانًا قد تؤدي إلى الانتحار في الحالات الشديدة. كما ينعكس التنمر على المجتمع بزيادة معدلات العنف والكراهية وغياب روح التعاون.
للقضاء على التنمر، لا بد من تكاتف الجهود بين الأفراد، المؤسسات التعليمية، والأسر، لنشر ثقافة الاحترام والمساواة. كما يجب تعزيز القوانين الرادعة وتشجيع الضحايا على الإبلاغ عن المتنمرين لضمان بيئة آمنة للجميع.
التنمر ليس مجرد تصرف عدواني، بل هو جريمة أخلاقية يجب التصدي لها بقوة ووعي حفاظًا على توازن المجتمع وصحة أفراده النفسي