رمضان

رؤية الهلال بين وحدة الأمة واختلاف المطالع: خلافٌ في الوسيلة لا في الغاية

بقلم:د. يوسف الديب

لا ريب أن مسألة رؤية الهلال تثار كل عام، وكأنها قضية معضلة، وكأن دين الله الذي أنزله واضحًا مبينًا قد ترك الناس في حيرة من أمرهم، والحال أن القرآن الكريم بيّن المواقيت بوضوح وأرشد إلى طريقة ضبطها، فأين الإشكال إذن؟ إن الدعوة إلى إنشاء “هيئة إسلامية عالمية” تضبط المواقيت تبدو وكأنها تلغي الحاجة إلى الرؤية الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم، غير أن الله تعالى قد جعل القمر منازل، فقال: “هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ” (يونس: 5).

فلو كانت المواقيت تعتمد على الحساب الفلكي وحده دون رؤية هلال شهر رمضان، لكان من الأولى أن يذكر القرآن هذا صراحة، لكنه جعل القمر نفسه دليلًا محسوسًا على عدد السنين والحساب. ثم إن محاولة إلزام المسلمين جميعًا بالصيام والفطر في يوم واحد رغم اختلاف أماكنهم الجغرافية هي تجاوز لواقع معلوم، إذ أن الهلال لا يظهر في كل بلد في الوقت ذاته، والله تعالى يقول: “يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ” (البقرة: 189)، فكيف يُطلب من الناس أن يخالفوا رؤيتهم المحلية التي هي مناط التكليف الشرعي؟ وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ” (رواه البخاري ومسلم)، وهو نص قاطع لا يقبل التأويل. أما القول بأن اختلاف رؤية الهلال يؤدي إلى “التشكيك” في ليلة القدر وزكاة الفطر فهو خلط عجيب، إذ أن ليلة القدر لم يحددها الشرع بيوم معين، بل جعلها في العشر الأواخر، والاجتهاد فيها لا يتوقف على توحيد دخول الشهر، أما زكاة الفطر فهي مرتبطة بنهاية الصيام، فكيف تكون موضع شك ما دامت كل أمة تصوم وفقًا لرؤيتها الشرعية؟ وأما يوم عرفة، فالمعتبر فيه وقوف الحجاج بجبل عرفات، وليس مرتبطًا برؤية الهلال في أي بلد آخر، ومن زعم غير ذلك فقد جعل مناسك الحج تابعة لرؤية كل قطر، وهذا لم يقل به أحد من العلماء. والاستدلال بآية: “إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ” (التوبة: 36) على وجوب التوحيد الفلكي للمواقيت هو استدلال في غير موضعه، إذ تتحدث الآية عن ثبوت عدد الشهور، لا عن طريقة إثبات الهلال فيها، وكذلك قوله تعالى: “وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا” (الأنعام: 96) لا يعني اتباع الحساب الفلكي وحده، بل جعل الشمس والقمر وسيلة لمعرفة الوقت، وليس لإبطال الرؤية الشرعية التي نص عليها النبي ﷺ. إن مسألة رؤية الهلال ليست مسألة متروكة للأهواء ولا لمزاج الفلكيين، وإنما هي عبادة تضبطها النصوص القطعية، ولا يجوز فيها التبديل تبعًا للمواكبة أو الحداثة المزعومة، ومن أراد أن يجعل الأمر تحت “منظومة عالمية” موحدة بلا دليل شرعي، فقد خالف القرآن، وخالف السنة، وخالف الواقع.

ونري إن مسألة رؤية الهلال أشبه بمن ينظر إلى الماء الصافي فيرى فيه انعكاس الحقيقة، ثم يأتي من يحاول أن يرسمها على الرمال ظانًّا أنه بذلك قد حفظ صورتها، فما رؤية الهلال إلا ميزان وضعه الله بحكمته، وجعل فيه دقةً لا يزيغ عنها البصر، أما الحساب الفلكي المحض فهو كالقياس على ظل الشمس دون النظر إلى موقعها، قد يُصيب مرة ويُخطئ مرات.

كيف يُطلب من الناس أن يوحدوا صيامهم وفطرهم وكأن الأرض قرص ثابت، لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بينما الشمس إذا أشرقت على المشرق كانت لا تزال تغط في نومها في المغرب؟ إن فروق التوقيت بين البلدان ليست أمرًا نظريًا يُجادل فيه، بل هي حقيقة ملموسة يراها كل من نظر إلى الخريطة بعين بصيرة. فكيف يُطلب من أهل الأندلس أن يصوموا برؤية أهل مكة، وهم في ليل حين يكون أولئك في نهار؟ بل كيف يُلزم أهل أقصى المشرق بالصيام برؤية أهل المغرب، والشمس لم تطلع عندهم بعد؟ أليس هذا كمن يطلب من الزرع أن يثمر قبل أوانه أو من الطفل أن يمشي قبل أن يشتد عوده؟

وقد جعل الله الأهلة منازل تتبدل، كما تتبدل الفصول في الأرض، فلا يستوي من شهد الهلال مع من لم يشهده، ولا يكون حساب الزمن عند أهل الأرض كلها واحدًا، وإلا لما احتاج الناس إلى الساعات والتوقيتات، ولقيل لهم: “كلكم في وقت واحد”، وهذا محال! فكما لا يُعقل أن تكون الساعة واحدة في مكة ونيويورك وطوكيو، لا يُعقل أن يكون دخول الشهر واحدًا في كل هذه البقاع مع اختلاف رؤية الهلال فيها.

والعجيب أن من ينادون بتوحيد رؤية الهلال لا ينادون بتوحيد الشروق والغروب، فهل يُطلب من أهل المشرق أن ينتظروا غروب أهل المغرب ليصلوا المغرب؟ وهل يُطلب من أهل المغرب أن يصلّوا الفجر برؤية أهل المشرق؟ إن هذا لعجبٌ من العجب!

ثم إن الله جعل القمر ضياءً يتنقل في منازله، لا كالشمس الثابتة في مسارها، فقال: “وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ” (يس: 39)، فمن طلب أن يكون لكل البلدان هلالٌ واحد، فكأنما طلب أن يكون لكلهم ليل واحد ونهار واحد، وهذا ممتنع عقلاً وشرعًا.

إن رؤية الهلال ليست مسألة هوى، بل هي فريضة محكومة بالنص، والرؤية هي أساس التكليف، كما قال ﷺ: “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ”، فمن جاء بعد ذلك وقال: “بل نصوم بالحساب الفلكي، ولو لم نر الهلال”، فكأنما يقول: “سنصلّي الفجر قبل طلوعه، وسنحج إلى مكة ولو لم نر الكعبة”!

فمن رام أن يجعل المواقيت كلها واحدة، فقد رام أن يُلبس الليل بالنهار، وأن يُسوّي الجبال بالسهل، وأن يجمع الشتاء والصيف في لحظة واحدة، وهذا ضرب من العبث الذي لا يستقيم مع سنن الكون التي جعلها الله بحكمته. فكيف إذن بمن يريد أن يجمع الصائمين على رؤية واحدة، بينما الشمس تغرب عند قوم وتشرق عند آخرين؟ إن هذا لعجب يعجز عنه العقل، ويأباه النقل، ويمجّه المنطق، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أما بعد، فإن الأمر كله لله، يقضي بحكمته، ويدبّر بعدله، وما نحن إلا عباده، نُخطئ ونُصيب، ونقف عند حدود ما أُمرنا به. فإن كان في قولنا حق، فمن الله ورسوله، وإن كان فيه زلل، فمنّا ومن قصورنا. فالله أعلى وأجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم وأحكم، وإلى شرعه المرجع، وإلى حكمه المآب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لاستكمال رحلتك في محتوانا لابد من إيقاف حاجب الإعلانات